فخر الدين الرازي
113
تفسير الرازي
أوتي ) * ومن مضمن معنى الجمع . المسألة الثالثة : قوله : * ( ما أسلفتم ) * أي قدمتم من أعمالكم الصالحة ، ومعنى الإسلاف في اللغة تقديم ما ترجو أن يعود عليك بخير فهو كالإقراض . ومنه يقال : أسلف في كذا إذا قدم فيه ماله ، والمعنى بما عملتم من الأعمال الصالحة : والأيام الخالية ، المراد منها أيام الدنيا والخالية الماضية ، ومنه قوله : * ( وقد خلت القرون من قبلي ) * و * ( تلك أمة قد خلت ) * وقال الكلبي : * ( بما أسلفتم ) * يعني الصوم ، وذلك أنهم لما أمروا بالأكل والشرب ، دل ذلك على أنه لمن امتنع في الدنيا عنه بالصوم ، طاعة لله تعالى . المسألة الرابعة : قوله : * ( بما أسلفتم ) * يدل على أنهم إنما استحقوا ذلك الثواب بسبب عملهم ، وذلك يدل على أن العمل موجب للثواب ، وأيضاً لو كانت الطاعات فعلاً لله تعالى لكان قد أعطى الإنسان ثوباً لا على فعل فعله الإنسان ، وذلك محال وجوابه معلوم . قوله تعالى * ( وَأَمَّا مَنْ أُوتِىَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يالَيْتَنِى لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ ) * . واعلم أنه تعالى بين أنه لما نظر في كتابه وتذكر قبائح أفعاله خجل منها وصار العذاب الحاصل من تلك الخجالة أزيد من عذاب النار ، فقال : ليتهم عذبوني بالنار ، وما عرضوا هذا الكتاب الذي ذكرني قبائح أفعالي حتى لا أقع في هذه الخجالة ، وهذا ينبهك على أن العذاب الروحاني أشد من العذاب الجسماني ، وقوله : * ( ولم أدر ما حسابيه ) * أي ولم أدر أي شيء حسابيه ، لأنه حاصل ولا طائل له في ذلك الحساب ، وإنما كله عليه . * ( يا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ ) * . ثم قال : * ( يا ليتها كانت القاضية ) * الضمير في * ( يا ليتها ) * إلى ماذا يعود ؟ فيه وجهان الأول : إلى الموتة الأولى ، وهي وإن لم تكن مذكورة إلا أنها لظهورها كانت كالمذكورة و * ( القاضية ) * القاطعة عن الحياة . وفيها إشارة إلى الانتهاء والفراغ ، قال تعالى : * ( فإذا قضيت ) * ( الجمعة : 10 ) ويقال : قضى على فلان ، أي مات فالمعنى يا ليت الموتة التي متها كانت القاطعة لأمري ، فلم أبعث بعدها ، ولم ألق ما وصلت إليه ، قال قتادة : تمني الموت ولم يكن في الدنيا عنده شيء أكره من الموت ، وشر من الموت ما يطلب له الموت ، قال الشاعر : وشر من الموت الذي إن لقيته * تمنيت منه الموت والموت أعظم والثاني : أنه عائد إلى الحالة التي شاهدها عند مطالعة الكتاب ، والمعنى : يا ليت هذه الحالة كانت الموتة التي قضيت علي لأنه رأى تلك الحالة أبشع وأمر مما ذاقه من مرارة الموت وشدته فتمناه عندها .